رجعت في المساء: الرجوع إلى الذات في ليلة الروح المظلمة


“وتحت سقف الليل والمطر
وبحضور الخوف والأسماء والعناصر
وكلّ ما لا اسْمَ له في الكون
أعلن حبي لك
واتحادي بحزن عينيك
وأرض الزهر في بلادي
وينزل المساء…”


ينهي الأخوان الرحباني واحدة من أندر و أجمل أغاني فيروز التصوفية…
واللي بتقابل فيها النفس الذات الإلهية في ظل حالة الخوف والتشتت من كل ما هو غير مفهوم حولها في الحياة:
“وبحضور الخوف والأسماء والعناصر”
حالة ظلام كاملة… واللي بالرغم من وجود ربنا اللي بتتكلم معاه النفس دي واللي وصفته ب”وأنت كالنهار .. تشرق في المدينة” لكن بتفضل في حالة خوف كاملة من اللامعنى في كل اللي حواليها…


“العجْز هُو أجمَل إشارةٍ ربَّانية مِن الله للإنْسان بأَنَّ وقتَ الدُّعاء قَد حَان.”

جلال الدين الرومي

الحالة دي هي اللي إتكلم عنها الشاعر الألماني فريدريك روكرت في قصيدة Um Mitternacht أو “في منتصف الليل”

واللي بيقول فيها:

“في منتصف الليل
ظللت يقظًا
متطلعًا الى السماء.
لا نجما في المجرة
مبتسمًا لي
في منتصف الليل.

في منتصف الليل
انطلقت أفكاري
إلى فضاءٍ مظلمٍ.
لا فكرة ساطعة
تجلب لي الراحة
في منتصف الليل.”


“مِن عمْق الظّلام سينبثِق نُور، يطفئُ هذِه النَّار الَّتي تُحرقُ قَلبك.”

جلال الدين الرومي

الحقيقة إن فكرة وجود المعونة الإلهية وسط المشاكل والمضايقات واللخبطة بتاعة مشاكل الحياة اليومية, وسط الخسارات والخبطات اللي ممكن تصيب كل نفس… فكرة مهمة جدًا وحقيقة لو الواحد مش مركز معاها غالبًا عمره ما بيعرف يتحرك وسط المشاكل اللي بتقابله،
و حتى لو قدر يغلب اللي بيواجهه وهو لوحده تمامًا بدون إدراك إن ربنا موجود في أبسط الحاجات حواليه ممكن يفقد جزء كبير من براءة روحه…

في قصيدة بأحبها جداً إسمها نذائر البراءة أو Auguries of Innocence لWilliam Blake
واللي بيتكلم فيها عن كل الإشارات والأشكال اللي ممكن تدل على براءة روحك…
كان كاتب كدا في نهايتها كدا:

God Appears & God is Light
To those poor Souls who dwell in Night

الله جلي… فالله نور…
لتلك النفوس المسكينة التي تسكن في الليل…

النفوس المسكينة اللي لا تمتلك أي فكرة ساطعة ممكن تطلقها للدنيا… واللي روح الإحباط صابتها بتعجز تمامًا عن رؤية النور وبتتحول تدريجي الحياة بالنسبة إليها لحالة “منتصف ليل”

“في منتصف الليل
قد قاتلت في معارك،
أهٍ أيها الناس، فمن مضايقتكم.
لم أستطع الفوز ابدا
بقوتي الخاصة
في منتصف الليل.”

وعلى قد ما بيكمل فريدريك في وصفه للظلام اللي بيشعر بيه بسبب كل اللي حواليه بيعترف انه بيحارب لوحده تمامًا… وبنلاقي في تاني بيت على طول انه بيقرر يعكس طريقته في مواجهة الدنيا:

“في منتصف الليل
سلمت كل قواي
بين يديك!
رب الحياة والموت ،
أنت تظل يقظًا
في منتصف الليل.”

في نفس لحظة الإستسلام دي بيدرك فريدريك انه لا يوجد حل غير انه يترك الموضوع في يد الله وبعد ما كان في أول القصيدة بيقول: ظللت يقظا… بقى يقول لربنا أنت يا رب اللي يقظ ومركز في اللي بيحصل في الضلمة حتى لو أنا غفلت … وبتنتهي القصيدة الحزينة بمقابلة فريدريك لربنا في شكل صلاة بعد ما كان وحيد تماما…


قلت لروحي ، ابقي هادئة ، وانتظري بلا رجاء
فالرجاء هو رجاء لشيء خاطئ. فلتنتظري بلا حب
لأن الحب هو حب لشيء خاطئ. أفلتنتظري بإيمان؟
لكن الإيمان والمحبة والرجاء يكمنوا في الانتظار.
انتظري إذا دون تردد، فأنتِ لستِ مستعدًة للتردد:
فلتنتظري حتى يصير الظلام نورًا والسكون رقصًا…

-T.S. Elliot

ليل الروح المظلم : The Dark Night of the Soul – Noche Oscura

في القرن السادس عشر كتب يوحنا الصليب المتصوف الأسباني والقديس الكاثوليكي… كتب قصيدة تُعد من أهم القصايد في الأدب التصوفي…
إسمها ليلة الروح المظلمة…
بيتكلم فيها عن حالة من الليل الإختياري اللي بيعدي بيهم الشخص الروحاني عشان يقدر يقرب من ربنا في حياته…
اللخبطة و الضلمة و البحث المستمر عن الله في علاقة شاملة حياة الشخص اللي بيدوّر كلها…

“في ليلة مظلمة،
مشوقة بالحب مضطرمة
يا له من حظًا سعيدًا
خرجت ولم يدر بي أحد،
وقد صار بيتي هادئَا….




لبثت هناك وذاتي نسيت،
ووجهي حنوته فوق الحبيب،
توقف كل شيء واسترخيت،
مخلفة همي،
بين السواسن منسيًُا.”

في علم التحليل النفسي، تم تبني اللفظ علشان يعبر عن حالة العتمة اللي ممكن يختبرها الشخص واللي بتخليه يتوه عن جوهر شخصيته الحقيقي، عن كل المبادئ والقيم اللي بيعيش بيها، وعلى قد ما بتكون حالة العتمة دي مدمرة للشخص إلا إنها مهمة جدًا علشان الشخص يبقى well-rounded… كامل الأوصاف وسوى نفسيًا…

“كما يقال، لا توجد شجرة يمكن أن تنمو إلى الجنة ما لم تصل جذورها إلى الجحيم.”

كارل يونغ

الحالة دي بقي مش لازم تتم غصب عنك، بل أحيانًا كتير بيبقى مهم إن انت اللي تدخل الليل دا بنفسك… إنك تقعد مع نفسك وتبدأ تتأمل كل الصفات اللي ممكن تكون ضارة جواك… كل حاجة مزعلاك من غيرك هي حاجة فيك أنت نفسك، إنك تهدم كل الأفكار والثوابت اللي ممكن تكون غلط ومسببة ألم ولخبطة ليك وللناس اللي حواليك… أنك تسقط الضوء على عيوبك … إنك تجعل ظلامك واعيًا…


“لا يستنير المرء بتخيل وجود الضوء ، بل بجعل ظلامه واعيًا.”

كارل يونغ

في ليلي تأتي إلىَّ سرًا،
فأبغض إنتهاء الظلمة،
ويقول ليلي، انظر، أنك تحمل الشمس.
لذا فأنت الآن مسؤول عن ضوء النهار…

جلال الدين الرومي، من الفصل ال44 من غزليات جلال الدين الرومي

أعتقد إن دا أهم شيء ممكن نقدمه للبشرية في صورة كل اللي حوالينا…
إننا نكون هذا الشخص بقدر ما نقدر…
الشخص اللي بيحاسب نفسه صح وبيعيد تعريف مشاكله صح ويحاول يحلها حتى ولو التركيز دا هيزعله من نفسه…
حتى لو هيحزن على كل اللي أخطأ فيه…
جراءة مواجهة ليل النفس بتحتم على الشخص انه يحس بربنا وبنوره في حياته و انه بدوره يصدره للعالم…
ساعتها بس هنبقى عملنا زي القصيدة دي كدا

“أعلن حبي لك
واتحادي بحزن عينيك
وأرض الزهر في بلادي
وينزل المساء…”

“في ليلة مظلمة ومليئة بالمعاناة ، كنت أنت الشمعه التي تضيء هذا الظلام حتى يأتي الفجر.”

جلال الدين الرومي

RELATED TOPICS:


Leave a comment


Advertisements

RELATED Posts

Design a site like this with WordPress.com
Get started