في كتاب السيرة الذاتية All God’s Children Need Traveling Shoes كتبت مايا أنجيلو و قالت:
“الحنين للدار يعيش بداخل كل منا, الدار: ذاك المكان الأمن حيث يمكننا أن نكون كما نحن بدون ريب…”
شغل الموسيقى اللي في اللينك و تعالي أحكيلك:
في الميثولوجيا اليونانية،”ثيسيوس” زيه زي أي بطل جريكي, مولود من إله و بشرية… بتبدأ رحلته مع بحثه عن أبوه الأرضي “أيجيوس” و اللي بيكتشف إنه حاكم أثينا في وقتها. بعد سلسلة من المغامارات اللي بتواجهه في طريقه، بيثبت فيها ثيسيوس قد إيه هو يستحق إنه يكون بطل و إبن للملك أيجيوس… إنتهائاً بزوجة أبوه اللي كانت عايزة تخلص منه و فشلت في دا و الولد رجع لأبوه و كل حاجة تمام… تمام؟ كل دا مش مشكلة…
الفكرة في اللي جي بقي, علي نقيض أيجيوس: المثل الأعلى للحاكم و الأب الناجح …الملك مينوس, حاكم كريت, كان حاكم سئ عشان كدا الألهة إبتلوه بإبن ممسوخ، كان وحش عبارة نص إنسان نص ثور… المينوتور، من شدة وحشيته، كان لازم يتحبس و دا اللي خلي مينوس أبوه يعمل متاهة مخصوص يحبسه في مركزها و كمان كان بيحتاج تضحية بشرية بشكل متواصل عشان يفضل مش راضي عن مدينة كريت ومايدمرهاش و عشان كدا أما كريت كانت في حرب مع أثينا, كانت أحد شروط معاهدة السلام اللي فرضتها كريت إن أثينا تضحي كل تسع سنين بسبعة من أحسن و أجمل شباباها “ولاد و بنات” للمينوتور…
هنا بييجي دور ثيسيوس،
بعد ما رجع ثيسيوس لأبوه قرر إنه يواجه المينوتور فا والده بعته من ضمن السبع شباب اللي هيتم التضحية بيهم في الفترة دي… أما وصل ثيسيوس كريت، تعرف علي أريادني أخت المينوتور و بنت مينوس و اللي ساعدته يدخل المتاهة لما إديته بكّرة خيط و البكرة بتفرد نفسها بشكل سحري في السكة اللي فيها مركز المتاهة اللي هيوصل ثيسيوس بالمينوتور، بيتغلب ثيسيوس علي المينوتور و بيموته و يقطع راسه و يطلع برة تاني بمساعدة نفس الخيط بتاع أريادني و بكدا بتنتهي القصة…
خلصت؟ تعالي نرجع لموضوعنا بقي: إزاي يبقي داري هو ذاتي نفسها؟ زي ما قالت مايا أنجيلو؟
تعالي نقرا سوي للشاعر ديفيد وايت, عن الإنتماء و العودة للدار, أما كتب:
“أن تشعر بالإنتماء لمكان هو أحد أعظم الإنتصارات في تاريخ البشرية… و خاصة عندما نتكبد العناء للحفاظ علي إنتمائنا و أن ندعو الأخر لنفس الحياة… و لكن من المثير للإهتمام ضعفاتنا… أن إحساسانا بالجرح الطفيف في حالة عدم إنتمائنا هو في الواقع من أهم مراكز جدارتنا…
― ديفيد وايت
إننا – البشر – المخلوقات الوحيدة التي تعي جيداً معني الحياة في المنفى، فالقدرة على تحويل نظرك نحو الدار هي واحدة من المساعي الإنسانية والقصص الإنسانية العظيمة.
و من المثير للاهتمام التفكير في أنه بغض النظر عن مدى بعدك عن نفسك ، وبغض النظر عن شعورك بالإغتراب في مساهمتك في تراث بقية العالم أو المجتمع. فإنك كإنسان ، كل ما عليك فعله هو تفنيد كيف أنك لست في دارك في هذا العالم – أن تسرد بالضبط كيف لا تنتمي – وفي هذه اللحظة التي نطقت فيها بالأبعاد الدقيقة لمنفاك، فأنت تسير بالفعل في طريق العودة إلى الطريق، إلى المكان الذي يجب أن تكون فيه.
أنت بالفعل في طريقك إلى الدار”.
من الأخر: كل ما بتقيم إنت فين و قد أيه بعيد عن اللي ممكن تبقاه بتقرب أكتر من الدار عشان ببساطة الدار هتبقي بالنسبالك هي أفضل حد ممكن تبقاه…
تقريباً في سنة 1890, ألّف إريك ساتيه أول مقطوعة ليه تحت مسمي : نوسيان Gnossienne و اللي حضرتك لو بتسمع التراك دا تبقي مشغل توزيع جاز ليها بالإشتراك مع الراجل العظيم الشيخ إيهاب يونس اللي بينشد الإنشاد الصوفي في التراك اللي بتسمعه دا
نوسيان سجلها إريك ساتيه بالإسم دا لأسباب كتير إحداها مبني علي فكرة مكان إسمه كنووسوس (Knossos).. تفتكر فين المكان دا؟ أيوة… صح.. كريت…
المكان دا القصر اللي فيه معقد و ممراته داخلة في بعضها لدرجة إن المؤرخين بيرجحوا إن أسطورة المتاهة بتاعة المينوتور مبنية علي القصر نفسه… قد يكون المينوتور و الملك مينوس كانوا نفس الشخص؟ (لاحظ تشابه الإسم) و إن المتاهة اللي إتحبس فيها الوحش ما هو إلا قصر الملك نفسه… ممكن برضو…
المهم إن المؤرخين كانوا شايفين إن ساتيه ألف الموسيقي دي علي نفس فكرة المتاهة…
لو سمعت التراك الأصلي للجنوسيان الأولي قد تجزم إن في اللحن قدر من الخوف والنغمات المليئة بالشكوك والتوتر… كما لو كان في حاجة تخليك خايف و إنت بتسمع…
و دي فكرة المقطوعة دي ببساطة… إنت كثيسيوس مطلوب منك إنك تسيب أرضك و مكانك و تروح تغوص جوا المقطوعة و المتاهة لحد المركز و تلاقي أسوأ حاجة موقفاك و تقتلها…
“The cave you fear to enter holds the treasure you seek.”
― جوزيف كامبل
“الكهف الذي تخشى دخوله يحوي الكنز الذي تبحث عنه.”
قصة ثيسيوس هي قصة البطل المتغرب, المنفي عن بيته و اللي بيأكد إستحقاقيته في البطولة مرة بعد مرة لحد ما بيواجه المينوتور… الإبن المسخ… بيواجه أسوأ إبن هو ممكن يبقاه… بيدخل متاهة عقله الباطن و يواجه قابليته للشر و كل اللي موقفه عن النمو لشخص أفضل و بينجح في كشفه… بيستعمل بكرة مدورة و الخيط بتاعها بيدله في رحلته… الكورة.. الدايرة رمز الكمال… و رمز لربنا في حضارات كتير…
فوصولك إليها (جزيرة إيثاكا)٬ هو غايتك الأخيرة
―قسطنطين كفافيس، إيثاكا
لكن لا تتعجل الرحلة أبدا
فالأفضل أن تستمر لأعوام طويلة
حتي لو كان للشيخوخة أن تدركك٬ وأنت تصل إلي الجزيرة
غنيا بكل ما جنيته في الطريق
دون انتظار أن تمنحك إيثاكا الغني
لقد منحتك إيثاكا الرحلة الرائعة
فبدونها ما كان لك أن تبدأ الطريق
لكن ليس لديها ما تمنحه لك سوي ذلك
رحلة ثيسيوس، هي التحرك المستمر تجاه حقيقته…
حنين ثيسيوس تجاه اللي ممكن يبقاه… تجاه نفسه اللي ممكن يبقاها هو اللي خلق منه البطل اللي هو عليه و خلاه يكتشف ما هو سئ جواه و يغلبه…
اللي حرك ثيسيوس ناحية المتاهة حنينه لما يجب أن يكونه… البصيرة ناحية الهدف: هو أنه أدرك إلي أي مدي هو غير منتمي لمكانه و فضل يجري و يثبت إنتمائه لبطولته الغير عادية,,
مش لازم عشان نبقي أبطال إننا ندخل متاهات و قصور كبيرة و نقتل وحوش… لكن يكفي إننا ندخل متاهة عقولنا و ندور علي المركز اللي فيه أسوأ حاجة بتمنعنا من إننا نبقي نفسنا… و نبقي منتميين للي إحنا عليه… أعتقد دا اللي بتحاول الموسيقي توصله…
دا اللي ممكن أي حد فينا يعمله في وقت القاعدة مع النفس… أو الإختلاء بالذات… أو الصلاة.. اللي يبدأ فيها الإنسان مايطلبش أي شيء غير الوجود الإلهي في حياته واللي بيتيح ليه فهم حقيقته… في أبسط اللحظات دي بنغلب المينوتور أو كل ما هو مخيف جوانا، و ساعتها بنبقي في البيت… بنبقي جوانا و مستريحيين… هي دي لحظة الوصول للبيت… هي دي لحظة ما نبقانا…
وهو دا بالضبط اللي وصفه الشيخ إيهاب يونس في التراك أما قال:
“يا مالكًا قدري..وقدرك لا يدركه سواك إن جئتُ بابك عاجزًا..أنا لست أملك إلا ذاك يا خالقي حبي لذاتك..ليس يعلمه سواك وإذا احتجبت جلالة..فبعين حبي أراك فارحم من الأشواق قلبًا كم يحن إلى لقاك”


Leave a comment